25 أيلول، 2026: تكشف معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان المحدثة أن منظومة الحواجز ونقاط الإغلاق في الضفة الغربية تحولت إلى بنية مكانية واسعة تعيد تشكيل الحيز الفلسطيني نفسه، وتفرض عليه شروطاً قهرية متزايدة. فتكثيف الحواجز والبوابات والسواتر والخنادق عند مداخل المدن والبلدات والقرى وعلى الطرق الرابطة بينها يحوّل التواصل الجغرافي الفلسطيني إلى شبكة من المسارات الخاضعة للتحكم، ويعيد تقسيم الضفة الغربية عملياً إلى كانتونات وجيوب محاصرة يمكن وصلها أو فصلها وإغلاقها في أي وقت. وفي هذا السياق، لا يصبح الحاجز أداة لمنع المرور فحسب، وإنما وسيلة للتحكم بالوصول إلى العمل والتعليم والعلاج والأرض الزراعية ومراكز الخدمات، بما يرفع كلفة الحياة اليومية ويضيّق إمكانات الاستقرار والحركة، ويساهم في إنتاج بيئة قهرية طاردة تجعل استمرار الحياة الفلسطينية الطبيعية أكثر صعوبة.
ووفق قاعدة البيانات المكانية للهيئة، وبعد إدخال الحواجز والبوابات الجديدة التي جرى رصد استحداثها خلال الشهرين الماضيين، بلغ عدد الحواجز ونقاط الإغلاق والعوائق المرصودة 942 حاجزاً وعائقاً، منها 824 حاجزاً ونقطة إغلاق ثابتة.
ويصنف مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة ما مجموعه 118 عائقاً خطياً من السواتر والخنادق وحواجز الطرق، يصل مجموع أطوالها إلى نحو 107.7 كم تضاف إلى المنظومة. ولا تكمن دلالة هذه الأرقام في حجمها فقط، وإنما في الطريقة التي تنتظم بها مكانياً: فانتشار نقاط الإغلاق على عقد الطرق والمداخل يحوّل الحيز الفلسطيني إلى حيز مُحاط ومُجزّأ بالحواجز، قابل للإغلاق وإعادة التقسيم بصورة فورية، ويجعل حرية الحركة والوصول خاضعة لمنظومة تحكم دائمة. وبهذا المعنى، تؤدي منظومة الإغلاق وظيفة تتجاوز تقييد التنقل إلى إعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية، عبر تقليص التواصل بين التجمعات، وتعميق عزلها عن بعضها، وإضعاف العلاقة بين السكان وأراضيهم ومراكز حياتهم، بما يراكم ظروفاً مكانية واقتصادية واجتماعية تضغط على قدرة الفلسطينيين على البقاء والاستقرار في أرضهم.
وتكشف الخريطة المكانية للحواجز الثابتة تفاوتاً واضحاً بين المحافظات، إذ تتصدر محافظة الخليل بـ221 حاجزاً ونقطة إغلاق ثابتة، تليها رام الله والبيرة بـ 160، ثم نابلس بـ 120، ثم بيت لحم بـ78، والقدس بـ62، وقلقيلية بـ 41، وسلفيت بـ 40، وأريحا والأغوار بـ27، وجنين وطولكرم بـ 26 لكل منهما، وطوباس بـ 23. ولا تعكس هذه الأرقام مجرد كثافة عددية، بل تشير إلى شبكة من نقاط التحكم الموضوعة على مداخل التجمعات وعقد الطرق والممرات التي تصل الريف الفلسطيني بمراكز المدن والخدمات.
وتظهر التطورات الأخيرة أن هذه المنظومة لا تزال في طور التوسع. فقد جرى خلال الشهرين الماضيين رصد 13 بوابة وحاجزاً ثابتاً جديداً أضيفت إلى قاعدة البيانات، بينها 10 بوابات في محافظة جنين وحدها، الأمر الذي رفع حصيلة المحافظة من 16 إلى 26 نقطة ثابتة. وشملت البوابات الجديدة مواقع عند الجلمة وعرانة والمنطقة الصناعية ودير أبو ضعيف ومدخل جنين وعابا وأم التوت وقباطية ومحيط الجامعة العربية الأميركية ومفترق الزبابدة. كما جرى رصد بوابة جديدة على طريق الجريوت غرب رام الله، إلى جانب بوابات أخرى أقيمت في المجال الريفي غرب وشمال غرب المحافظة.
ولعل التطور الأكثر دلالة في بنية الإغلاق خلال الفترة الأخيرة يتمثل في انتقال المستعمرين من الاستفادة من منظومة الحواجز التي يقيمها جيش الاحتلال إلى إنشاء أدوات إغلاق ثابتة بأنفسهم داخل المجال الفلسطيني، ففي منطقة وادي حمد على أراضي كفر نعمة أقام مستعمرون بوابة حديدية للتحكم بالوصول إلى المنطقة والأراضي المحيطة بها، فيما أقام مستعمرون بوابة أخرى شرق أم صفا على الطريق المؤدي إلى منزل عائلة فلسطينية، واستخدمت لاحقاً في تقييد وصول أفرادها. أهمية هذه الحالات لا تكمن في عدد البوابات فحسب، وإنما في ظهور فاعل جديد يمارس بصورة مباشرة وظيفة كانت ترتبط أساساً بالجيش: التحكم بالطريق وتحديد من يستطيع العبور ومتى.
ويشير هذا النمط إلى تحول في طبيعة اعتداءات المستعمرين، من الاعتداء اللحظي على المواطن أو الأرض أو الممتلكات إلى إنتاج وقائع مكانية قابلة للاستمرار. فإقامة بوابة على طريق زراعي أو مدخل محلي لا تحتاج إلى أن تكون مغلقة بصورة دائمة حتى تؤدي وظيفتها؛ وجودها بحد ذاته يجعل إمكانية الوصول قابلة للمنع في أي وقت، ويمنح المستعمرين قدرة عملية على التحكم بحركة أصحاب الأرض. وعندما يقترن ذلك بإغلاق طرق بديلة أو إقامة بؤر رعوية واستعمارية قريبة، تتحول البوابة من جسم معدني محدود إلى أداة لإعادة تنظيم استخدام الفلسطينيين للمكان، ودفعهم نحو طرق أطول أو الحد من وصولهم إلى أراضيهم ومنازلهم ومرافقهم.
تكشف الذروات التاريخية لمنظومة الإغلاق أن الحواجز لم تتطور بوتيرة ثابتة، بل اتسعت في موجات ارتبطت بمراحل تصعيد وإعادة تنظيم السيطرة على الحركة. ففي 2003، وفي ذروة الانتفاضة الثانية، وثقت منظمات دولية منها أوتشا 757 حاجزاً وعائقاً، كان 464 منها سواتر ترابية، بما يعكس آنذاك نموذج الإغلاق الواسع للطرق والتجمعات. ثم سجلت 630 عائقاً في 2008، قبل أن ترتفع الحصيلة إلى 705 في 2018؛ وفي هذه المرحلة أصبح استخدام البوابات والحواجز ذات البنية الثابتة أكثر حضوراً، إذ سجل مسح 2018 وحده 140 حاجزاً و165 بوابة طرق، إلى جانب السواتر والمكعبات والخنادق وغيرها من العوائق.
أما الموجة الأحدث فتتميز ليس فقط بارتفاع العدد، وإنما بتغير نوعية منظومة الإغلاق نفسها. فقد بلغ العدد 793 عائقاً في آذار 2024، ثم وثقت 925 عائقاً في كانون الأول 2025، وهي المرحلة ذاتها التي أصبحت البوابات فيها العنوان الأكبر في منظومة الإغلاق، التي حولتها دولة الاحتلال من منظومة مشغولة بالجنود إلى منظومة تستغني فيها عن الجنود لصالح الإغلاق والكاميرات ومنظومة المراقبة المكثفة على الوجود الفلسطيني، وهو أعلى مستوى تم تسجيله خلال عشرين عاماً، في حين أصبحت الحواجز والبوابات تشكل قرابة 62% من المنظومة، بعدما كانت البنية الأكثر تعقيداً تمثل نحو 17% فقط قبل عقدين. ومع إضافة المستجدات التي ترصدها قاعدة بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، تصل الحصيلة المحدثة في 2026 إلى 942 حاجزاً وعائقاً. وهكذا تكشف المقارنة تحولاً جوهرياً من الاعتماد بدرجة كبيرة على السواتر والعوائق الترابية القابلة للإزالة (مؤقتة) إلى شبكة أكثر ثباتاً من الحواجز والبوابات القابلة للتفعيل والإغلاق الفوري (دائمة)، بما يجعل التحكم بالحركة جزءاً دائماً من البنية المكانية للضفة الغربية.
والأخطر أن هذه الممارسة تكشف تداخلاً متزايداً بين منظومة السيطرة العسكرية وتمدد المستعمرين على الأرض؛ فالحاجز العسكري والبوابة التي يقيمها المستعمر قد يختلفان في الجهة التي أنشأتهما، لكنهما يلتقيان مكانياً في النتيجة عندما يؤديان إلى تضييق المجال المتاح للحركة الفلسطينية. ومن هنا ينبغي رصد بوابات المستعمرين باعتبارها مؤشراً مستقلاً داخل منظومة الإغلاق، لأنها توثق انتقال الاستعمار من السيطرة على الأرض عبر البؤرة أو الاستيلاء الزراعي فقط، إلى السيطرة على شبكات الوصول نفسها؛ أي على الطرق التي تحدد علاقة الفلسطيني بأرضه ومسكنه ومركز خدماته، بما يحول تقييد الحركة إلى وسيلة إضافية لفرض السيطرة المكانية وتغيير أنماط استخدام الأرض الفلسطينية.
وتشير الهيئة إلى أن قراءة هذه الأرقام يجب ألا تتوقف عند العدد الإجمالي للحواجز، فالخطورة الأساسية تكمن في موقع الحاجز وإمكانية تشغيل شبكة الإغلاق بصورة متزامنة. فالبوابة الحديدية قد تبقى مفتوحة أياماً، لكنها تتيح إغلاق الطريق خلال دقائق، وهو ما يحولها إلى أداة تحكم دائمة حتى عندما لا تكون مغلقة. وعندما تتكرر هذه النقاط على مداخل القرى والطرق الرابطة بينها، تصبح الجغرافيا الفلسطينية قابلة للتقسيم الفوري إلى جيوب صغيرة منفصلة، ويصبح الانتقال إلى العمل أو المستشفى أو الجامعة أو الأرض الزراعية مرتبطاً بقرار عسكري قابل للتغيير في أي لحظة.
وبهذا المعنى، فإن 942 حاجزاً وعائقاً لا تمثل فقط بنية لتقييد حركة الفلسطينيين، وإنما شبكة لإعادة هندسة المجال الفلسطيني نفسه؛ فالسيطرة على الطريق تعني عملياً السيطرة على العلاقة بين السكان وأرضهم وبين القرية والمدينة وبين التجمعات الفلسطينية بعضها ببعض. ومع استمرار إضافة البوابات والحواجز، بالتوازي مع مشاركة المستعمرين في إنشاء بعضها، تتحول منظومة الإغلاق إلى واحدة من أبرز الأدوات المكانية المستخدمة في تجزئة الأرض الفلسطينية، وإعادة تشكيل أنماط الحركة والوصول، وفرض وقائع سيطرة جديدة على الأرض.
