8 أيلول، 2026: تكشف هذه الورقة أن ما شهدته الضفة الغربية منذ أواخر عام 2022  يمثل مساراً تراكمياً متماسكاً لإعادة هندسة منظومة الحكم والإدارة والتشريع بما يخدم مشروع الضم والتوسع الاستعماري. فمن إخضاع الإدارة المدنية للمرجعية السياسية للمستعمرين، وتعديل التشريعات المرتبطة بفك الارتباط، وتسريع مخططات المستعمرات، إلى نقل صلاحيات مدنية وإدارية من المستوى العسكري إلى وزراء ودوائر حكومية إسرائيلية؛ تتشكل بنية جديدة تعمل على تفكيك ما تبقى من القيود الإجرائية والقانونية التي كانت تفصل، ولو شكلياً، بين إدارة الاحتلال للأرض الفلسطينية وبين منظومة الحكم المدني الإسرائيلي.

وتظهر المحطات هذه أن الضم لا يتحقق فقط من خلال إعلان سياسي رسمي، وإنما يتقدم أيضاً بواسطة سلسلة من الأدوات التشريعية والإدارية والتخطيطية والمالية التي تنتج، في مجموعها، واقعاً سيادياً جديداً على الأرض. فتمكين المستعمرين، وتوسيع صلاحيات الوزارات الإسرائيلية داخل الضفة، وفتح مسارات "تسوية" وتسجيل الأراضي، وتوسيع الضم إلى المناطق المصنفة "أ" و"ب"، والدفع بمخطط E1، وإقرار عشرات المستعمرات الجديدة؛ جميعها خطوات تعيد توزيع السيطرة على الأرض والموارد والتخطيط، وتنقل المشروع الاستعماري من مستوى التوسع المكاني إلى مستوى إعادة تعريف منظومة الحكم ذاتها، بما يرسخ وقائع طويلة الأمد تسبق أي إعلان رسمي شامل للضم.

وتتضح إحدى أهم محطات هذا المسار في إعادة بناء موقع سموتريتش داخل منظومة الإدارة المدنية، بحيث لم يعد ملف الاستيطان يمر بالآليات العسكرية التقليدية وحدها، بل نشأت داخله بنية مدنية ذات صلاحيات واسعة في الأرض والتخطيط والطرق والإنفاذ. ثم جاء قرار حزيران 2023 بتقليص حلقات الموافقة السياسية على المخططات الاستيطانية ليحوّل هذه البنية إلى أداة تسريع فعلية: اجتماعات تخطيط أكثر انتظاماً، قدرة أكبر على دفع المخططات من مرحلة إلى أخرى، وتكامل أوثق بين التخطيط وإعلانات "أراضي الدولة" وتوسيع مناطق النفوذ وشق الطرق. وفي الميدان، تزامن ذلك مع بيئة سياسية وأمنية أكثر تساهلاً مع الوقائع التي يفرضها المستعمرون، ولا سيما البؤر الرعوية والاستيلاء على الأراضي؛ بحيث أصبح جزء من الوقائع غير المرخصة يُعامل باعتباره واقعاً ينبغي لاحقاً تنظيمه أو حمايته، بدلاً من كونه مخالفة تستوجب الإزالة.

وفي مسار موازٍ، اكتسبت ملفات الآثار والمواقع التراثية والمحميات الطبيعية أهمية تتجاوز مضمونها القطاعي. فالتشريعات والقرارات المتعلقة بهذه الملفات أسست لمنطق مفاده أن وجود ما تصفه إسرائيل بـ"المصلحة القومية" أو "القيمة الأثرية والبيئية" يبرر توسيع تدخل مؤسساتها خارج الحدود الإدارية التي رسمتها اتفاقات أوسلو. ولهذا يمكن قراءة هذه الإجراءات باعتبارها مختبراً مبكراً لاختبار اختراق الصلاحيات الفلسطينية في المناطق المصنفة "أ" و"ب": يبدأ التدخل تحت عنوان حماية موقع أثري أو محمية أو منع أعمال فلسطينية، ثم يتحول إلى مطالبة بصلاحيات رقابة وإنفاذ وتخطيط أوسع. بهذا المعنى، لم تكن الآثار والبيئة ملفات هامشية، بل وفرتا سابقة وظيفية لفكرة أن الاختصاص الإسرائيلي يمكن أن يتبع "المصلحة" لا التصنيف الجغرافي، وهو المنطق الذي يظهر بصورة أكثر وضوحاً في خطوات لاحقة استهدفت توسيع الصلاحيات الإسرائيلية داخل "أ" و"ب".

وتكشف محطات أخرى كيف جرى تفكيك العوائق واحداً بعد الآخر قبل الانتقال إلى مرحلة تثبيت النتائج. فتعديل قانون فك الارتباط في آذار/مارس 2023 أزال مانعاً قانونياً حال دون العودة إلى مستعمرات أُخليت في شمال الضفة، وفتح الباب أمام إعادة بناء الوجود الاستيطاني هناك؛ ثم جاءت إجراءات تسوية وتسجيل الأراضي لتوفير أداة مختلفة تماماً، تنقل الصراع من السيطرة الميدانية وحدها إلى إعادة تعريف الملكية والسجل والمرجعية التي تحسمها. وفي الوقت نفسه، أعاد مخطط E1 ربط التخطيط الاستيطاني بمشروع جغرافي يفصل القدس الشرقية عن عمقها الفلسطيني ويشد كتلة "معاليه أدوميم" إليها، بينما جاءت قرارات الاعتراف بالمستعمرات الجديدة وتوسيع الصلاحيات إلى "أ" و"ب" لتستكمل الحلقة: إزالة المانع القانوني، ثم إنشاء أداة الإدارة، ثم فرض الواقع المكاني، ثم منحه اعترافاً وتخطيطاً واختصاصاً دائماً. بهذه القراءة، تصبح كل محطة مفهومة أكثر عندما توضع في تسلسلها، لا عندما تُقرأ منفردة.

وفي هذا السياق، تواصل التقارير السنوية المتتالية التي تصدرها هيئة مقاومة الجدار والاستيطان رصد هذا النوع من التشريعات والقرارات والإجراءات وتحليلها بصورة منهجية، ليس بوصفها أحداثاً منفصلة، وإنما باعتبارها أجزاء مترابطة من سياسة متصاعدة لإعادة تشكيل الوضع القانوني والإداري والمكاني للأرض الفلسطينية. ويتيح هذا الرصد التراكمي قراءة الاتجاه العام للسياسات الإسرائيلية، وقياس انتقالها من إدارة الاحتلال إلى بناء بنية ضم أكثر رسوخاً، تقوم على تراكم التشريعات، وتوسيع الصلاحيات، وتسريع التخطيط الاستعماري، وإعادة تعريف العلاقة بين مؤسسات الدولة الإسرائيلية والمستعمرات، بما يجعل متابعة هذه التحولات وتحليلها ضرورة أساسية لفهم المرحلة الراهنة من المشروع الاستعماري الإسرائيلي.