ملخص تنفيذي

السؤال الأدق ليس ما إذا كانت القيود التجارية على المستعمرات ستؤثر أم لا، بل أين سيقع أثرها، وما المدى الذي يمكن أن تبلغه إذا بقيت إجراءً بريطانياً منفرداً، وما الذي يمكن أن تصبح عليه إذا تحولت إلى سياسة أوروبية ودولية أوسع. فمن غير الواقعي افتراض أن حظر استيراد منتجات المستعمرات من سوق واحدة سيؤدي بذاته إلى إضعاف المشروع الاستعماري أو وقف توسعه؛ فالاستعمار في الضفة الغربية ليس مشروعاً اقتصادياً قائماً فقط على عائدات تصدير منتجاته، بل منظومة تمولها الدولة الإسرائيلية وتحميها وتدعمها عبر الأرض والتخطيط والبنية التحتية والإعفاءات والحوافز والإنفاق الأمني. ولذلك فإن الأثر الاقتصادي المباشر للإجراء البريطاني، منفرداً، سيظل محدوداً نسبياً.

لكن قياس الخطوة بقيمة التجارة المحظورة وحدها يخطئ في تقدير أهميتها. فالأثر الأكثر أهمية يبدأ من نقل المستعمرات من دائرة الإدانة السياسية إلى دائرة "الكلفة". طوال سنوات، استطاعت الدول الجمع بين اعتبار المستعمرات غير قانونية وبين استمرار العلاقات الاقتصادية معها أو مع الأنشطة المرتبطة بها. أما تقييد التجارة فينشئ علاقة سببية مختلفة: وجود النشاط الاقتصادي في المستعمرة يصبح سبباً لحرمانه من النفاذ إلى السوق. وبذلك تتحول اللامشروعية من توصيف قانوني إلى نتيجة اقتصادية قابلة للقياس.

ويتضاعف هذا الأثر بسبب طبيعة سلاسل الإنتاج والتوريد. فالضغط لا يقع على المنتج النهائي فقط، بل على الشركات والمستوردين والممولين وشركات التأمين والنقل والتوزيع والتجزئة، التي ستضطر إلى التحقق من منشأ السلعة وموقع الإنتاج وطبيعة ارتباطها بالمستعمرات. وكلما ارتفعت متطلبات التحقق والمخاطر القانونية والسمعة المرتبطة بالتعامل مع المستعمرات، نشأ ما يمكن تسميته "علاوة مخاطر استعمارية": يصبح الاستثمار أو التوريد أو التمويل المرتبط بالمستعمرة أكثر كلفة وأقل جاذبية، حتى في الحالات التي لا يشملها الحظر مباشرة.

أما الأثر الأعمق فهو أثر السابقة. فإذا بقيت بريطانيا وحدها، يمكن لإسرائيل امتصاص جانب معتبر من الكلفة وإعادة توجيه الصادرات إلى أسواق أخرى. لكن إذا انتقلت الفكرة إلى دول أوروبية إضافية، أو إلى الاتحاد الأوروبي، فإن التراكم يغير طبيعة المسألة. عندها لا يعود السؤال عن حجم الصادرات إلى دولة بعينها، وإنما عن إمكانية نشوء سوق دولية تتقلص تدريجياً أمام اقتصاد المستعمرات. وهنا يبدأ التأثير الحقيقي في حسابات المستثمر والمنتج والمصرف وشركة التوزيع.

وللخطوة أيضاً أثر قانوني وسياسي يتجاوز التجارة. فهي تكرس عملياً التمييز بين إسرائيل وبين الأراضي الفلسطينية المحتلة، وترفض التعامل مع المستعمرات باعتبارها امتداداً اقتصادياً طبيعياً للسوق الإسرائيلية. وهذا مهم بصورة خاصة بعد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 تموز 2024، الذي وضع على الدول التزامات بعدم الاعتراف بالوضع الناشئ عن الوجود الإسرائيلي غير القانوني في الأرض الفلسطينية المحتلة، وعدم تقديم العون أو المساعدة في استمراره. ومن هذه الزاوية، يمكن أن يصبح تقييد التجارة جزءاً من انتقال أوسع من "عدم الاعتراف" النظري إلى سياسات عملية تمنع العلاقات الاقتصادية من المساهمة في استدامة الوضع غير القانوني.

لكن ينبغي عدم تحميل الأداة أكثر مما تحتمل. القيود التجارية لن توقف وحدها إقامة البؤر، ولن تمنع مصادرة الأرض، ولن تغير في المدى القصير ميزان القوة الذي يحمي المستعمرين. كما تستطيع الحكومة الإسرائيلية تعويض قطاعات متضررة أو منحها حوافز إضافية. لذلك فإن فاعلية العقوبات تتوقف على ثلاثة متغيرات: اتساعها الجغرافي ليشمل عدداً أكبر من الأسواق؛ واتساعها القطاعي بحيث تتجاوز السلع إلى الخدمات والاستثمار والتمويل والتعاقدات؛ وقدرتها على الانتقال من استهداف المنتج الاستعماري إلى معالجة المنظومة الاقتصادية التي تجعل الاستعمار قابلاً للاستمرار.

ومن هنا فإن القيمة الاستراتيجية للخطوة البريطانية ليست أنها ستوقف الاستعمار غداً، بل أنها تضرب واحدة من أهم وسائل تطبيعه: إمكانية إقامة نشاط اقتصادي على أرض محتلة ثم إدخاله إلى الأسواق الخارجية كما لو كان نشاطاً تجارياً عادياً. فإذا تحولت هذه القاعدة إلى ممارسة دولية متراكمة، فإن المعادلة الجديدة ستكون واضحة: كل توسع استعماري لا يضيف أرضاً ووحدات لإسرائيل فحسب، بل يضيف في المقابل مخاطر وعزلة وكلفة اقتصادية وقانونية متزايدة. عند هذه النقطة تحديداً تبدأ العقوبات بالانتقال من موقف أخلاقي إلى أداة لتغيير حسابات الكلفة والمنفعة.

 

للاطلاع على الورقة كاملة، يرجى التكرم بتحميل الملف المرفق: