وتكشف الإجراءات الإسرائيلية المتلاحقة، من أوامر عسكرية لمصادرة الأراضي، وفتح طرق وتأهيل بنى تحتية، وإقرار مخططات استعمارية جديدة، إلى جانب قرارات الكابينيت التي "شرعنت" إقامة مواقع وبؤر استعمارية إضافية، عن وجود توجه رسمي لإعادة هندسة المجال الجغرافي في شمال الضفة الغربية، لا سيما في محافظة جنين، بما ينسجم مع عقيدة الضم والسيطرة الدائمة. ولم تعد هذه الإجراءات مجرد تدابير أمنية ظرفية، بل أصبحت تعبيراً عن مشروع سياسي متكامل يهدف إلى إعادة الاستيطان إلى المناطق المخلاة، وتحويلها مجدداً إلى نقاط ارتكاز استعمارية تتحكم بالمجال الفلسطيني وتعيد إنتاج العزل والتفتيت الجغرافي.
خلال العقدين الماضيين، ومنذ تنفيذ إخلاء المستعمرات الأربع في شمال الضفة الغربية عام 2005، حافظت المنطقة إلى حد كبير على قدر من الانفصال النسبي عن الامتداد الاستيطاني المباشر مقارنة بمناطق أخرى في الضفة الغربية. فقد أدى هذا الإخلاء إلى نشوء فراغ استعماري استيطاني واضح في ذلك الحيز الجغرافي، ما جعل شمال الضفة الغربية يبدو، بدرجة نسبية، أقل تشظيا من حيث البنية الاستيطانية الاستعمارية وأكثر تماسكا من حيث الجغرافيا الفلسطينية المتصلة، رغم استمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية على المجال العام.
* ينشر قريباً
