16 حزيران، 2026: في خطوة تحمل أبعاداً سياسية وقانونية تتجاوز إطارها الإداري الظاهر، قررت سلطات الاحتلال الإسرائيلي سحب صلاحيات التخطيط والبناء المتعلقة بالمستوطنات والمواقع الدينية الخاضعة لسيطرة المستوطنين في مدينة الخليل من بلدية الخليل الفلسطينية، ونقلها إلى مؤسسات التخطيط التابعة للإدارة المدنية الإسرائيلية. ويأتي هذا القرار كحلقة جديدة في مسار متدرج يستهدف تفكيك الولاية الفلسطينية على المدينة وتعزيز السيطرة الإسرائيلية المباشرة على أحد أكثر المواقع حساسية في الضفة الغربية.
وتكتسب هذه الخطوة خطورتها من كونها تمس جوهر الترتيبات التي قامت عليها مدينة الخليل منذ توقيع بروتوكول الخليل عام 1997، والذي قسم المدينة إلى منطقتين؛ H1 التي تشكل نحو 80% من مساحة المدينة وتخضع للسيطرة الفلسطينية، وH2 التي تشكل نحو 20% من المساحة وتبقى تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية . أما اليوم، فإن الاحتلال يسعى إلى تقويض هذا الأساس عبر نقل صلاحيات التخطيط والتنظيم المتعلقة بالمستعمرين والمواقع الدينية إلى جهاته الرسمية، بما يعني عملياً إلغاء أحد أهم مظاهر الولاية الفلسطينية داخل المدينة.
ولا يمكن النظر إلى القرار بمعزل عن السياق الاستيطاني الأوسع الذي تشهده محافظة الخليل، والتي تعد أكبر المحافظات الفلسطينية استهدافاً بالمشروع الاستيطاني. إذ تضم المحافظة حالياً 25 مستعمرة و80 بؤرة استعمارية، يقطنها ما يزيد على 25.8 ألف مستعمر، فيما تواصل سلطات الاحتلال استخدام أدوات التخطيط والبناء لتكريس هذا الوجود وتوسيعه. وخلال عام 2025 فقط، درست سلطات الاحتلال ما مجموعه 7 مخططات هيكلية استيطانية في محافظة الخليل، في مؤشر واضح على تسارع عمليات التوسع الاستعماري وتعزيز البنية التحتية للمستعمرات على حساب الأرض الفلسطينية.
ويكشف القرار الجديد عن انتقال الاحتلال من مرحلة السيطرة الأمنية والعسكرية إلى مرحلة فرض السيادة الإدارية والتنظيمية المباشرة، حيث تصبح مؤسسات الاحتلال المرجعية الوحيدة للمشاريع والبنى التحتية والتوسعات الخاصة بالمستعمرين في قلب مدينة الخليل، بعيداً عن أي دور أو صلاحية للبلدية الفلسطينية. كما يؤسس لنظام تخطيطي يقوم على التمييز بين السكان لا بين المناطق الجغرافية، بحيث يتمتع المستعمرون بمنظومة تخطيط مستقلة مرتبطة مباشرة بمؤسسات الاحتلال، بينما يخضع الفلسطينيون لمنظومة مختلفة، الأمر الذي يكرس نظام الفصل والتمييز الاستعماري داخل المدينة.
ويأتي هذا القرار ضمن سلسلة متواصلة من الإجراءات التي استهدفت الحرم الإبراهيمي الشريف باعتباره أحد أهم الرموز الدينية والوطنية الفلسطينية. ففي شباط 2025 نقلت سلطات الاحتلال صلاحيات الأعمال والإدارة في الحرم الإبراهيمي من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية إلى ما يسمى "هيئة التخطيط المدني" التابعة لها، ثم أتبعت ذلك في تموز 2025 بقرار سحب صلاحيات الإشراف من بلدية الخليل ونقلها إلى المجلس الديني التابع لمستعمرة "كريات أربع"، بما أتاح للجهات الاستيطانية التدخل المباشر في إدارة أجزاء من الحرم وإجراء تغييرات هيكلية داخله.
وتصاعد هذا المسار بصورة أكثر خطورة في أيلول 2025 عندما أصدرت سلطات الاحتلال أمراً بالاستيلاء على سقف الباحة الداخلية للحرم الإبراهيمي بمساحة بلغت 288 متراً مربعاً، في خطوة شكلت تحولاً نوعياً في سياسة السيطرة المادية المباشرة على أجزاء من الحرم ومرافقه. وقد أكدت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان حينها أن هذه الإجراءات تهدف إلى تقويض الولاية الإسلامية على الحرم الإبراهيمي وعزله عن محيطه الفلسطيني وربطه إدارياً وأمنياً بالمجالس الاستيطانية، بما ينسجم مع سياسة تهويدية متكاملة تستهدف المكان والهوية والرواية التاريخية للمدينة.
إن القرار الأخير يمثل من جملة ما يمثل امتداداً مباشراً لهذه السياسات، ويؤسس لمرحلة جديدة من الضم الفعلي في الخليل، تقوم على نقل الصلاحيات تدريجياً من المؤسسات الفلسطينية إلى المؤسسات الإسرائيلية والاستيطانية، وتحويل المستعمرات من جيوب تخضع لترتيبات استثنائية إلى مراكز نفوذ تمتلك صلاحيات تخطيط وإدارة مستقلة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
يمثل القرار تكريساً واضحاً لسياسة التمييز التخطيطي في مدينة الخليل، حيث تُنقل صلاحيات التخطيط والبناء المتعلقة بالمستعمرين إلى مؤسسات الاحتلال بما يضمن تسريع تنفيذ المخططات الاستيطانية وتوفير بيئة عمرانية وخدماتية متقدمة لهم، في مقابل استمرار تقييد التطور العمراني الفلسطيني وإخضاعه لمنظومة من القيود والإجراءات المعقدة. ولا يقتصر أثر هذا التمييز على الجانب التنظيمي، بل يشكل أداة لإعادة تشكيل المدينة ديموغرافياً وجغرافياً عبر تعزيز الوجود الاستعماري في قلبها، ودفع السكان الفلسطينيين إلى التضييق والعزل وفقدان القدرة على التطور الطبيعي، بما يخدم هدف الاحتلال المتمثل في تفريغ البلدة القديمة ومحيطها من سكانها الأصليين وتحويلها إلى فضاء خاضع للسيطرة الاستيطانية المباشرة.
هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تحذر من أن استمرار هذه الإجراءات سيؤدي إلى تسريع مشاريع التوسع الاستيطاني في البلدة القديمة ومحيط الحرم الإبراهيمي، وتعزيز السيطرة على العقارات والأراضي الفلسطينية، وفرض وقائع قانونية وإدارية جديدة يصعب التراجع عنها مستقبلاً. كما أن هذه الخطوات تمثل جزءاً من مشروع أشمل يستهدف إعادة تشكيل المشهد الجغرافي والسياسي في الضفة الغربية من خلال أدوات التخطيط والتنظيم والبناء، بما يقوض أسس أي تسوية سياسية مستقبلية ويعمق نظام السيطرة الاستعمارية على الأرض الفلسطينية المحتلة.
