المعسكر الليبرالي يعلّق العنف في الضفة على “عنصرية مسيانية”، لكنه يُخفق في فهم التحولات العميقة التي تمر بها الصهيونية الدينية: انتقال “شبيبة التلال” من الهامش إلى قلب التيار السائد.
بقلم: أبيعاد مركوفيتس
31 آذار 2026
في الأشهر الأخيرة، أصبحت أحداث العنف اليهودي في الضفة الغربية أمراً روتينياً. ما كان يحدث في السابق في الخفاء والظلام يُنشر اليوم على الملأ. لم يعد هناك جدوى من منظمات حقوق الإنسان التي توثّق وتصور وتبلّغ. فهناك قنوات على “تلغرام” تابعة لشبيبة التلال، تنشر ذلك بفخر لكل من يرغب. عشرون قتيلاً فلسطينياً، وعشرون حالة صمت من قبل قوات الأمن.
يصعب التصديق، لكن الأمر لم يكن هكذا دائماً. قبل نحو خمسة عشر عاماً، حين ظهرت أولى أحداث ما سُمّي “تدفيع الثمن”، قوبلت بإدانات شديدة في أوساط واسعة من التيار الديني القومي السائد. حاخامات بارزون وصلوا إلى المساجد المحروقة، أصيبوا بالصدمة وخرجوا ببيانات إدانة رسمية. أما اليوم — فقد أُطلقت العنان. أفعال شباب هامشيين تحظى باحتضان مؤسساتي. صحيح أن شيئاً ما بدأ يتغير في الأسابيع الأخيرة؛ جدار الصمت تصدّع، وحاخامات معروفون، في مقدمتهم يعقوب مدان وإلياكيم لبنون، ومعهم شخصيات عامة، بدأوا يحتجون بصوت عالٍ ضد المعتدين. لكن كلماتهم تقع على آذان صماء؛ فالشباب يرى نقدهم منفصلاً وقديماً، ويرى آخرون أن المشكلة ليست أخلاقية بل تتعلق بالضرر الذي يلحق بسمعة المشروع الاستيطاني.
ما الذي تغيّر؟ في السطور التالية سأعرض بعض الأفكار حول المسار السياسي للصهيونية الدينية في هذه المرحلة. سأحاول تفسير “الإجماع الصامت” حيال ما يحدث في البؤر الاستيطانية. برأيي، هذا الصمت لا ينبع من عنصرية، ولا من “مسيانية” — وهو تعريف فارغ. بل يمكن التمييز بين نوعين من الصمت، ينبع كل منهما من سبب مختلف تماماً.
هناك صمت استفزازي يعكس فعلاً موافقة ضمنية. يقف وراءه مسار يمر به المجتمع الإسرائيلي كله في أعقاب “الإصلاح القضائي” وأحداث 7 تشرين الأول، وهو تفكك “الإثوس الدولتي” — أي الثقة بسلطة مؤسسات الدولة. هذا الصمت تحركه اعتبارات أمنية، ويفترض أن الجيش لم يعد قادراً على توفير الحماية، ولذلك يجب أخذ القوة باليد.
لكن هناك أيضاً نوع آخر من الصمت، لا يعكس بالضرورة دعماً نشطاً، بل لا مبالاة. وهو يفترض أن شبيبة التلال تمثل “الشر الأقل”، وأنها لا تهدد حياة التيار الصهيوني الديني السائد ولا تعكّر صفوه؛ وأن هذا هو الثمن الخفيف الذي يمكن دفعه للحفاظ على هوية دينية دون الانفصال الكامل عن المجتمع الإسرائيلي.
كيف يمكن فهم التغيير الذي يحدث أمام أعيننا — هذا التحول التكتوني في ما كان يُعد بديهياً؟ هذا التآكل الفجّ للمعايير الأخلاقية القديمة؟ لكل نوع من الصمت قصته. ما يميّز الصمت الاستفزازي أنه لا يرى الحرب شراً لا بد منه، بل خيراً لا بد منه — كفعل أخلاقي ومثالي.
في ظل الحرب في غزة، وُلدت لغة أخلاقية جديدة–قديمة. في مركزها التمييز بين “العدو” و”الصديق”، لا التمييز الذي يطرحه القانون الدولي بين مقاتل ومدني غير مسلح. هذا التمييز هو انعكاس مباشر لفداحة أحداث 7 أكتوبر. وله مبرران محتملان — براغماتي وأيديولوجي. الفرق بينهما يتمثل في السؤال: هل يوجد أبرياء في غزة؟
التبرير البراغماتي يعترف بوجود أبرياء، لكنه يرى أنه لا يجب أخذ ذلك بالحسبان أثناء القتال، لأن المجتمع الفلسطيني كله يُنظر إليه كبيئة داعمة للإرهاب، وفيه منطقة رمادية من المدنيين المتعاونين. أما التبرير الأيديولوجي، فيفترض أنه لا يوجد أبرياء أصلاً. الصدمة المباشرة لساحة المعركة تتسلل إلى طاولة صناع القرار في المستقبل.
في ساحة القتال، قد لا يكون هناك فرق كبير بين التبريرين. لكن السؤال هو ما سيحدث لاحقاً. الانتقال من البراغماتية إلى الأيديولوجيا يغيّر قواعد اللعبة بشكل دائم. فهو يستمد شرعيته من تجربة الحرب، لكنه يحولها إلى نقطة انطلاق تعيد ضبط النظام كله. قبل أسبوع فقط، صرّح عضو الكنيست يتسحاق كرويزر بأن “لا أبرياء في جنين”.
إذا كانت هناك “قناعة” انهارت داخل الصهيونية الدينية في 7 أكتوبر، فهي ليست مرتبطة بالتعايش. وإذا وُجدت فيها اعتدالية سياسية، فهي لم تكن بالضرورة إنسانية بل براغماتية. ما يحدث الآن هو تآكل في مفهوم “الدولتية” بدافع المنفعة. إذا فشل الجيش في مهمته الأساسية — توفير الأمن — فإنه يفقد احتكار استخدام القوة. الرهان يصبح على استعادة الردع بأي ثمن، وبعنف غير مقيّد. الاستفزاز العنيف وإظهار الحضور في الميدان يُنظر إليهما كوسيلة لتحقيق الأمن. وإن لم ينجح ذلك — فربما لم يُجرب بما يكفي.
مثال صارخ على هذا التحدي يظهر حتى في أغنية ساخرة بعنوان “أنا ذاهب إلى حوارة”. المتحدث يقدّم نفسه كيساري علماني من تل أبيب “استفاق” نحو اليمين بعد 7 أكتوبر. لكن هذا “الاستفاقة” تحمل معنى جديداً: خطاب يمزج بين العنف غير المقيّد وتبريرات أخلاقية متناقضة — من منع خطر مستقبلي إلى أداء واجب قومي ومحاربة “الشر المطلق”. هنا يتلاشى الحد بين المقاتلين والمدنيين، وتُشجَّع المبادرة الفردية للقتل. وفي كل مزحة شيء من الجدية.
ليست كل الصهيونية الدينية ترى الحرب كصراع بين النور والظلام. لكن كثيرين يتبنون خطاب الردع، والخوف المشلول يحوّل ورثة الحاخام كاهانا إلى جزء طبيعي من القيادة الإسرائيلية. وهو ما يحوّل شبيبة التلال من عبء إلى رصيد، ويعطّل النقد الداخلي.
إلى جانب هذا الصمت، هناك صمت آخر نابع من اللامبالاة. برأيي، لا يعود لأسباب أمنية، بل يرتبط ببنية مؤسسات التعليم الديني. الصمت تجاه شبيبة التلال لا ينبع من أيديولوجيا جديدة، بل من محافظة اجتماعية — من الشعور بأن من الأسهل تركيز الجهد في “معارك أخرى”.
للانتماء إلى الصهيونية الدينية اليوم، لا يجب أن تكون متديناً بالضرورة. لكن من يريد حياة دينية عميقة، عليه أن يكون مستعداً لعبور الخط الأخضر. البيئة المعزولة في المستوطنات تسمح ببناء مؤسسات تعليمية كـ”فقاعات” مريحة، بعيدة عن الاحتكاك مع المجتمع العلماني.
هذه التدين يختلف عن الحريدية لكنه مرتبط بها. المشروع الاستيطاني يتيح خلق “جيوب” من التدين المنغلق داخل الفضاء العام. مسار الشاب الديني القومي يصبح أشبه بتجربة انتقالية بين عوالم مختلفة: التعليم الديني المكثف، ثم تجربة عسكرية أقرب إلى الحياة العلمانية.
هذا الإجماع الجديد ليس كتلة واحدة؛ بل يتكون من طيف متنوع من الأشخاص. وهو يعكس تطبيع السيطرة الإسرائيلية في الضفة: لم تعد هذه المناطق خارج السياق، بل نُقلت إليها التناقضات الداخلية للمجتمع الإسرائيلي.
هذه الحقيقة تحدّ من فعالية النقد الليبرالي–الديني، وتخفف حدّته. البيئة المتجانسة في المستوطنات تعزز اللامبالاة، التي لا تكون واعية دائماً ولا سياسية بالضرورة. الواقع — من مصادرة الأراضي إلى الحواجز — يصبح أمراً بديهياً أو “شراً أقل”. وهذا هو المنحدر الذي يقود إلى صمت مؤسساتي تجاه مظاهر جديدة من العنف.
النقد الليبرالي السائد يفسّر ما يحدث بمصطلحي “العنصرية” و”المسيانية”. لكن، رغم وجود مظاهر عنصرية تاريخياً، فإن هذا التفسير غير كافٍ. وكذلك مفهوم “المسيانية” يبدو غير مفيد تحليلياً. استخدام هذه التسميات هو محاولة من المعسكر الليبرالي للتنصل من مواجهة النزعة القومية داخله.
الحقيقة أن هذا المعسكر لا يملك إجابة واضحة حول مستقبل هذه الأرض، ولا حول مسألة التفوق اليهودي بين النهر والبحر. من السهل تحميل “المتدينين” المسؤولية وتصويرهم كخطر خارجي.
إذا تخلينا عن مفهوم “المسيانية”، يمكننا أن نرى أن الصراع الداخلي في إسرائيل ليس صراع طبقات، بل تنافس بين معسكرين متشابهين يحاول كل منهما إعادة تعريف نفسه. كلاهما يتخلى عن عناصر مركزية من هويته، ويستبدل أيديولوجيا ثورية بنسخة محافظة مخففة، ويتخلى عن “الدولتية” كقيمة.
المعسكر العلماني–الديمقراطي تخلى عن مشروع السلام تقريباً. وفي المقابل، تنشأ في الصهيونية الدينية مراجعة لفكرة “الدولتية”، ولم تعد تُعتبر قيمة مطلقة. نتائج هذا التحول تظهر بوضوح اليوم.
في درسه عن “الحرية” عام 1912، ميّز الحاخام أهارون شموئيل تمارت بين نوعين من القتلة: “الطبيعي” و”الزائف”. الأول يقتل بدافع شخصي، أما الثاني فيبرر أفعاله. الشر السياسي — أي الشر المصحوب بتبرير — هو الأخطر. هذا هو سر الحروب والاضطهادات: حين يبرر الإنسان لنفسه العنف باسم قضية.
الظلم يصبح مضاعفاً حين يُقمع الضمير، ويُقنع الإنسان نفسه أن لديه مبررات كافية. وهكذا يُطبّع الجرم، ويكتسب قوة جذب أكبر. هذا هو سر جاذبية الجريمة القومية: ما هو محظور لمصلحة الفرد يصبح مسموحاً باسم الجماعة.
الصمت المستمر تجاه المظالم اليومية في الضفة هو ظلم بحد ذاته. لكنه أيضاً نتيجة لمسارات أعمق: انهيار “الدولتية” يمنحه شرعية، وانغلاق التعليم الديني يغذي اللامبالاة. هذا هو “الوضع الطبيعي الجديد”. ومن دون فهم ذلك — ومن دون فهم الأغلبية الصامتة ومخاوفها — لن يكون هناك نضال فعّال.
