عن زمن إسرائيل

بقلم: إيتان ميلتس

23 حزيران، 2026

 

 

خلاصة تحليلية

يكشف المقال، استناداً إلى معطيات جيش الاحتلال "الإسرائيلي" وجهاز الأمن العام (الشاباك) وبيانات جهات بحثية وحقوقية، أن "عنف" المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة يشهد تصاعداً كبيراً وليس "أسطورة" أو "مبالغة إعلامية"، إذ ارتفعت أحداث الجرائم القومية التي ارتكبها إسرائيليون عام 2025 بنسبة 27%، مع زيادة ملحوظة في الهجمات الخطيرة التي تشمل إطلاق النار وإحراق الممتلكات والاعتداءات الجسدية. وفي المقابل، تراجعت قدرة  ما يطلق عليها بمنظومة إنفاذ القانون على التعامل مع هذه الظاهرة، حيث انخفض عدد التحقيقات التي فتحتها الشرطة بشكل حاد، بينما انتهت نسبة ضئيلة جداً من الملفات إلى إدانات. ويشير المقال إلى أن تراجع أعداد القضايا لا يعكس انخفاض العنف، بل يعكس ضعف إنفاذ القانون وتراجع ثقة الفلسطينيين بالشرطة، ما أدى إلى اتساع حالة الإفلات من العقاب. كما يؤكد أن تقارير الأمم المتحدة حول عنف المستوطنين تعتمد معايير تحقق صارمة، وأن الواقع الميداني يشير إلى أن حجم العنف قد يكون أكبر من الأرقام الموثقة، في ظل استمرار الهجمات التي تستهدف الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم.

 

وفقاً لمعطيات الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك)، ارتفع عدد أحداث الجريمة القومية في الضفة الغربية المحتلة خلال العام الماضي بنسبة 27%؛ بينما انخفض عدد التحقيقات التي فتحتها الشرطة بنسبة 73%.

تصوير: جعفر اشتية/وكالة الصحافة الفرنسية AFP

خلال السنوات الأخيرة، يدور في الفضاء العام والإعلامي الإسرائيلي نقاش حاد حول مصطلح "عنف المستوطنين". فمن جهة، تقف تقارير دولية تعرض صورة قاتمة للتصعيد، ومن جهة أخرى تُسمع ادعاءات من قبل سياسيين وجهات ذات مصالح تسعى إلى تصوير الظاهرة باعتبارها "أسطورة إعلامية مضخمة".

لكن عند وضع التصريحات السياسية جانباً، ومقارنة معطيات منظومة الأمن الإسرائيلية، ومراكز الأبحاث، والواقع الميداني، تظهر صورة واضحة لا لبس فيها: إن عنف العديد من المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة ليس "أخباراً زائفة"، بل هو ظاهرة تصاعدت بشكل كبير، في الوقت الذي تشهد فيه منظومة إنفاذ القانون والتحقيقات الشرطية انهياراً غير مسبوق.

ماذا تقول أرقام المؤسسة الأمنية الإسرائيلية؟

إن المعطيات التي تشير إلى ارتفاع عنف المستوطنين في الضفة الغربية لا تأتي من منظمات يسارية أو من الأمم المتحدة، بل من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها.

ووفقاً لمعطيات الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك)، فقد طرأ ارتفاع بنسبة 27% في عدد أحداث "الجريمة القومية" التي ارتكبها إسرائيليون-يهود في الضفة الغربية خلال عام 2025، إلى جانب ارتفاع حاد تجاوز 50% في عدد الهجمات الجسدية من الأنواع الأكثر خطورة.

وبحسب بيانات المؤسسة الأمنية، فقد تم خلال عام 2025 توثيق ما لا يقل عن 867 حادثة صُنّفت على أنها "جريمة قومية" ارتكبها يهود إسرائيليون في الضفة الغربية، مقارنة بـ 682 حادثة عام 2024، وهو رقم مرتفع بحد ذاته.

وكان عام 2023 عام الذروة من حيث العدد الإجمالي لأحداث عنف المستوطنين؛ وهو العام الذي شهد هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر واندلاع حرب "السيوف الحديدية". ففي ذلك العام وثّق الجيش الإسرائيلي 1045 حادثة جريمة قومية ارتكبها مستوطنون إسرائيليون.

إلا أن عام 2025 سجّل الرقم الأعلى في عدد الأحداث التي صنّفتها المؤسسة الأمنية بأنها "خطيرة"، وتشمل إطلاق النار الحي، وإشعال الحرائق المتعمد في المنازل والممتلكات، والجرائم العنيفة التي عرّضت الضحايا الفلسطينيين لخطر مباشر على حياتهم. فقد تم تسجيل 128 حادثة خطيرة من هذا النوع العام الماضي، مقارنة بـ 83 حادثة خطيرة عام 2024 و54 حادثة عام 2023.

ووفقاً لتقديرات مهنية صادرة عن جهات استخبارية في الشاباك والجيش، تقف خلف هذه الهجمات مجموعة ثابتة تضم نحو 300 ناشط من اليمين المتطرف متورطين في أعمال العنف. ويشارك هؤلاء الناشطون بصورة فعلية في معظم الهجمات. ومن بينهم توجد "نواة صلبة" تضم نحو 70 ناشطاً من الأكثر عنفاً، وهم يقودون الهجمات الأكثر خطورة.

ويعيش في الضفة الغربية مئات الآلاف من المستوطنين الإسرائيليين، ولذلك فإن المنفذين المشاركين في أحداث العنف يشكلون نسبة صغيرة نسبياً من مجمل السكان المستوطنين. ومع ذلك، فإن الحديث يدور عن عدد مرتفع جداً من المستوطنين المتورطين في العنف، وهو عدد يشهد ارتفاعاً حاداً.

وتتطابق معطيات الجيش الإسرائيلي والشاباك مع المعلومات التي جمعتها هيئات بحثية دولية، ووسائل إعلام، وتوثيقات ميدانية قدمها فلسطينيون ونشطاء سلام إسرائيليون. وتشير جميع مصادر المعلومات هذه إلى الاتجاه ذاته: تصاعد عنف العديد من المستوطنين.

وبحسب معطيات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، فقد تم منذ هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى نهاية عام 2025 توثيق أكثر من 1700 هجوم نفذه مستوطنون.

ومن بين هذه الهجمات، تم تصنيف 845 هجوماً على أنها أدت إلى مقتل أو إصابة فلسطينيين. وفي عام 2025 قُتل أربعة فلسطينيين في هجمات نفذها مستوطنون، وأصيب أكثر من 200 فلسطيني.

وكانت ذروة العنف خلال موسم قطف الزيتون عام 2025. فقد تم خلال الموسم توثيق 126 هجوماً منظماً وموجهاً نفذها مستوطنون في 70 بلدة وقرية، شملت الاعتداء بالضرب على المزارعين ونشطاء السلام الإسرائيليين، إضافة إلى تخريب واقتلاع أكثر من 4000 شجرة زيتون وشتلة.

منزل أحرقه مستوطنون في بلدة دير الحطب بالضفة الغربية، 23 آذار/مارس 2026.

تصوير: AP Photo/Majdi Mohammed)

 

إن العدد الإجمالي للهجمات انخفض بالفعل من عام 2023 إلى عام 2024 (رغم أن عدد الهجمات الخطيرة ارتفع). لكن وفقاً لمعطيات الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك)، فقد ارتفع عدد الهجمات عام 2025 بنسبة 27%، ومع ذلك فتحت الشرطة عدداً أقل من الملفات.

وبحسب معطيات المتابعة طويلة الأمد لمنظمة يش دين (Yesh Din)، فقد وصل الإفلات من العقاب إلى ذروته؛ إذ إن نحو 3% فقط من مجمل التحقيقات التي فُتحت بسبب جرائم ذات خلفية أيديولوجية ارتكبها إسرائيليون ضد فلسطينيين منذ عام 2005 انتهت إلى إدانة كاملة أو جزئية في المحاكم.

ولا تُغلق الملفات بسبب "عدم وقوع الحادثة"، وإنما بسبب إخفاقات بنيوية في عمليات التحقيق، وعدم القدرة على تحديد هوية المشتبه بهم.

إضافة إلى لامبالاة الشرطة (في أفضل الأحوال)، فإن العديد من الفلسطينيين لا يتوجهون إليها أصلاً بسبب الخوف واليأس. ووفقاً لمعطيات منظمة يش دين، ففي نحو 61% من الحالات الموثقة التي تعرض فيها فلسطينيون للأذى، اختار الضحايا بصورة واعية عدم تقديم شكوى لدى الشرطة الإسرائيلية، خشية الانتقام وانعدام الثقة بالمنظومة.

 

 

 

 

 

أويس حمام، فلسطيني يبلغ من العمر 18 عاماً من قرية خربة بني حارث قرب رام الله، يجلس على سرير في مستشفى مجمع فلسطين الطبي بعد تعرضه لهجوم من قبل مستوطنين إسرائيليين في 7 كانون الأول/ديسمبر 2025.
تصوير: زين جعفر / وكالة الصحافة الفرنسية AFP

 

هل بيانات الأمم المتحدة حول عنف المستوطنين مبالغ فيها؟

يدّعي العديد من الإسرائيليين، وكذلك الحكومة الإسرائيلية، أن تقارير الأمم المتحدة المتعلقة بإسرائيل منحازة، وأن تقارير المنظمة بشأن عنف المستوطنين مبالغ فيها.

لكن الواقع على الأرض معاكس تماماً. إذ إن المنهجية التي يتبعها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) تُعد منهجية محافظة ومشددة للغاية، حيث تضع معياراً مرتفعاً للإثبات، وتتحقق بدقة من التقارير المتعلقة بإلحاق الأذى بالفلسطينيين، كما تستبعد العديد من حالات العنف اليومية.

ولكي يدخل حادث يتعلق بإلحاق الأذى بالفلسطينيين في الإحصاءات الرسمية للأمم المتحدة، فإن مكتب (OCHA) ملزم بالتحقق منه عبر مصدرين مستقلين وموثوقين على الأقل.

في المقابل، تُدرج الأمم المتحدة في تقاريرها أحداث العنف والإرهاب التي يتعرض لها الإسرائيليون، حتى عندما يكون مصدر الإبلاغ عنها واحداً فقط.

وبناءً عليه، يمكن تقدير أن إحصاءات الأمم المتحدة بشأن عنف المستوطنين تمثل تقديراً أقل من الواقع وليس تقديراً مبالغاً فيه.

إذ يقوم مكتب (OCHA) بإحصاء الأحداث المادية الواضحة فقط، التي انتهت إلى وقوع إصابات بشرية أو أضرار مباشرة ومثبتة في الممتلكات، بينما يستبعد حالات المضايقة اليومية والتهديدات باستخدام السلاح.

 

هل كان اليهود في بعض الحالات هم الضحايا؟

يدّعي المتحدثون باسم المستوطنين، ومن بينهم وزراء في الحكومة الإسرائيلية، أن بعض الحالات التي جرى تعريفها في التقارير على أنها عنف مستوطنين كانت في الحقيقة أعمال دفاع عن النفس ضد الإرهاب الفلسطيني، أي أن المعتدين اليهود الإسرائيليين كانوا، بحسب ادعائهم، هم الضحايا.

وهذا الادعاء زائف تماماً ولا يستند إلى أي أساس.

فالجيش الإسرائيلي، وجهاز الأمن العام (الشاباك)، ومنظمات حقوق الإنسان العاملة في الأراضي الفلسطينية، والأمم المتحدة، ودول العالم، تميز بشكل واضح بين الحالات التي يهاجم فيها إسرائيليون فلسطينيين، والحالات التي يكون فيها الفلسطينيون هم المهاجمين.

وتدير جميع هذه الجهات إحصاءات منفصلة بشأن العنف والإرهاب الفلسطيني. أما الأحداث التي تُصنّف باعتبارها عنف مستوطنين فهي تحديداً تلك التي يكون فيها المستوطنون هم من هاجموا الفلسطينيين، وليس العكس.

 

الخلاصة:

إن الزيادة في عنف المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة ضد الفلسطينيين ليست "أخباراً زائفة" وليست "أسطورة". فالادعاءات التي تتحدث عن كونها "زائفة" تمثل تحريفاً للمعطيات وإخفاءً للواقع.

ويُظهر فحص الحقائق أن عنف المستوطنين يسير في اتجاه تصاعدي. فالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها – الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) – تشير إلى ارتفاع بنسبة 27% في الجرائم القومية، وقفزة تزيد عن 50% في الأحداث الخطيرة.

وقد انخفض عدد الملفات التي فتحتها الشرطة، لكن مقارنة معطياتها مع بيانات الجيش والشاباك تُظهر أن ذلك لا يشكل دليلاً على انخفاض مستوى العنف.

العنف على الأرض يتفشى، لكن الشرطة ببساطة تراجعت عن تطبيق القانون. أما تجاهل وجود هذا العنف فهو الخطر الحقيقي.

 

رابط المقال الأصلي: 

https://www.zman.co.il/697627/