استولى المستوطنون الألمان على أراضٍ في الشرق، وحظوا بدعم الدولة، وعكّروا حياة السكان المحليين. وهم أيضا اعتقدوا أن أحدا لن يُخليهم يوما.
بقلم: عفري إيلاني
21 نيسان/أبريل 2026
من يزور اليوم مدن شرق أوروبا مثل فروتسواف في بولندا، ليبيريتس في التشيك، تشيرنيفتسي في أوكرانيا، أو كالينينغراد في روسيا سيصادف بالضرورة شوارع ومبانٍ ومعالم تحمل أسماء ألمانية. ورغم أن اللغات السائدة في هذه المدن اليوم هي لغات سلافية، فإن الأسماء الألمانية لا تزال تظهر على أغطية المجاري وأحيانا على بعض اللافتات. في الماضي، كانت هذه المدن تحمل أسماء ألمانية، وكان معظم سكانها يتحدثون الألمانية بما في ذلك نسبة كبيرة من اليهود الذين عاشوا فيها.
فروتسواف كانت تُعرف باسم بريسلاو، عاصمة سيليزيا؛ وليبيريتس كانت تُسمى رايخنبرغ، عاصمة إقليم السوديت؛ وتشيرنيفتسي كانت تُعرف باسم تشيرنوفيتس، عاصمة بوكوفينا؛ أما كالينينغراد فكانت كونيغسبرغ، عاصمة بروسيا الشرقية. عاش الألمان في هذه المدن وازدهروا فيها لقرون طويلة. وُلدوا وماتوا هناك، ولم يتخيلوا مستقبلا تُفرغ فيه هذه المدن من سكانها الألمان.
لكن ذلك حدث فجأة. فمع نهاية الحرب العالمية الثانية، وبعد هزيمة ألمانيا، طُردت الغالبية الساحقة من السكان الألمان من شرق أوروبا، وفرّوا إلى داخل حدود ألمانيا الشرقية والغربية. من بريسلاو طُرد نحو نصف مليون ألماني، ومن كونيغسبرغ نحو 200 ألف؛ كما غادر ألمان السوديت إقليمهم، وكذلك ألمان بوكوفينا. وخلال عمليات الهروب قُتل كثيرون، فيما أصبح الآخرون لاجئين في ألمانيا يحملون مرارة عميقة. وحتى اليوم، توجد جمعيات تحافظ على ذكرى المدن والقرى التي هُجرت، وبعضهم لا يزال يتوق للعودة إليها، ويزور أحيانا المقابر الألمانية المهجورة الواقعة في بلدات تحمل أسماء سلافية.
مشروع الاستيطان الإسرائيلي هو مشروع ذو طابع استعماري؛ لكن بخلاف التصور الشائع في أجزاء واسعة من الأوساط الأكاديمية، فإن الاستيطان الاستعماري في أمريكا أو أفريقيا أو أستراليا ليس النموذج الأكثر ملاءمة للمقارنة. والسبب أن الباحثين في الغرب أكثر إلماما بالاستعمار الفرنسي والبريطاني مقارنة بحالات أخرى أقل تداولا.
إن نموذج الاستيطان الألماني في شرق أوروبا، المعروف بـ “الاستيطان نحو الشرق” (Ostsiedlung)، هو نموذج أكثر صلة. ولا أقصد هنا الاحتلال النازي في أربعينيات القرن الماضي فهذه كانت المرحلة الأخيرة والأكثر دموية من هذا المشروع بل أقصد عملية استيطان الألمان الإثنيين في الشرق على مدى قرون طويلة.
بخلاف الاستعمار البريطاني أو الفرنسي عبر البحار، فإن الفاصل بين “الوطن الأم” و”المستعمرات” في الحالة الألمانية كان ضبابيا. فالألمان في كونيغسبرغ أو بريسلاو كانوا يُعتبرون سكانا أصليين بقدر نظرائهم في ميونيخ أو برلين. وقد اعتبروا مدنا مثل دانتسيغ أو مارينبورغ الواقعتين اليوم في بولندا جزءا من وطنهم. كونيغسبرغ كانت مدينة الفيلسوف إيمانويل كانط، وفي ريغا عاش الفيلسوف يوهان غوتفريد هيردر. كانت هذه أماكن تُعد من صميم التراث الألماني.
لم يكن على المستوطنين الألمان عبور البحار بل تحركوا تدريجيا شرقا. ومنذ القرن التاسع عشر على أبعد تقدير، حظي هذا التوسع بدعم الدولة البروسية والألمانية، التي شجعت الألمان على الاستيطان في الشرق، وعملت على منع بيع الأراضي الألمانية للسلافيين.
وبشكل مماثل، يرى الكاتب أن الاستيطان الصهيوني هو أيضا حركة توسع برية نحو الشرق، بدأت منذ بدايات الصهيونية ولا تزال مستمرة. وقد يؤدي هذا المسار، في نظره، إلى نتائج مشابهة. وعندما ينظر إلى ما يصفه بغرور المستوطنين في الضفة الغربية وشعورهم بالسيادة، فإنه يجد صعوبة في عدم استحضار نهاية مشروع الاستيطان الألماني.
حسابات مشكوك فيها
هناك من يقارن إسرائيل المعاصرة بألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية، لكن الكاتب يميل إلى مقارنتها بنسخة مخففة من الإمبراطورية الألمانية خلال الحرب العالمية الأولى. فخلافا لألمانيا النازية، لم تكن ألمانيا عام 1914 دولة شمولية، ولم تكن المسؤول الوحيد عن اندلاع الحرب.
وكما هو الحال بحسب الكاتب في إسرائيل اليوم، كانت ألمانيا آنذاك مشبعة بالقومية، والنزعة العسكرية، وشعور بالتفوق، ممزوج بإحساس بالحصار والتهديد. وعند قراءة أوصاف الأجواء في ألمانيا عام 1914، تبدو في نظره مألوفة بشكل لافت.
مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، اعتبر الألمان أنفسهم في مواجهة “الهمجية الآسيوية” الروسية، وفي الوقت ذاته شعروا بالاستياء من نظرة الغرب لهم. حتى المثقفون الذين اعتادوا السفر إلى باريس أو لندن شعروا بالعزلة. وقد وصف الكاتب توماس مان هذه الحالة الذهنية بأنها مزيج من الشعور بالمظلومية والرسالة التاريخية.
كما رأى الألمان أنفسهم محاصرين بين روسيا وفرنسا، وتبنّوا سياسة هجومية للخروج من هذا الوضع. أُعدّت خطط حرب متعددة الجبهات، وعندما سنحت الفرصة تم تنفيذها، مع اعتقاد بأنها ستزيل التهديد. لكن هذه الحسابات كانت، في نظر الكاتب، مشكوكا فيها، وممزوجة بأوهام توسعية.
انتهى الأمر بهزيمة، واستسلام، وتعويضات، وأزمات اقتصادية وسياسية طويلة، ثم حرب أخرى كارثية.
ويخلص الكاتب إلى أن سيناريو مشابه قد يحدث في تقديره للمستوطنين الإسرائيليين، حيث قد تؤدي موازين القوى في المستقبل إلى انهيار المشروع الاستيطاني، وانسحاب سريع، كما حدث مع الألمان في شرق أوروبا.
أما حدود هذا الانسحاب المحتمل، فيرى أنها ستُحدد وفق ميزان القوى ونتائج الحروب، لا وفق القانون الدولي أو القرارات القضائية. وفي كل الأحوال، لن يكون المشهد بحسب تعبيره سهلا، كما لم يكن بالنسبة للألمان الذين أُجبروا على الرحيل من الشرق.
رابط المقال الأصلي:
