الملخص التنفيذي
يكشف هذا التقرير، الذي يغطي الفترة الممتدة من الأول من كانون الثاني/يناير وحتى الثلاثين من حزيران/يونيو 2026، عن انتقال المشروع الاستيطاني الإسرائيلي إلى مرحلة أكثر تقدماً وخطورة في مسار فرض الضم الفعلي على الأرض الفلسطينية المحتلة. فلم تعد سياسات الاحتلال تقتصر على توسيع المستعمرات أو الاستيلاء على الأراضي بصورة متفرقة أو الاستجابة لاعتبارات أمنية مؤقتة، وإنما أصبحت تقوم على منظومة حكومية متكاملة تتداخل فيها الأدوار التشريعية والتنفيذية والتخطيطية والقضائية والعسكرية، بما يهدف إلى إعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية وإحداث تغييرات دائمة في بنيتها الديموغرافية والقانونية والسياسية. ويبرز خلال الفترة التي يغطيها التقرير تسارع واضح في استخدام أدوات متعددة ومترابطة تشمل تشريع القوانين، وإعادة هيكلة مؤسسات الإدارة المدنية ونقل صلاحياتها إلى وزراء في الحكومة الإسرائيلية، وتسريع إجراءات التخطيط والبناء الاستيطاني، وتكثيف أوامر الاستيلاء على الأراضي وإعلانات "أراضي الدولة"، وتوسيع مشاريع البنية التحتية المخصصة للمستعمرات، إلى جانب تصاعد إرهاب المستعمرين بوصفه أداة ميدانية لفرض الوقائع على الأرض وتهجير التجمعات الفلسطينية، الأمر الذي يعكس انتقال السياسة الإسرائيلية من إدارة الاحتلال إلى ترسيخ منظومة سيطرة دائمة تستهدف دمج أجزاء واسعة من الضفة الغربية، بما فيها القدس، ضمن المنظومة الإدارية والقانونية الإسرائيلية، وفرض وقائع يصعب التراجع عنها مستقبلاً.
وخلال النصف الأول من عام 2026، وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 11,074 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي ومليشيات المستعمرين بحق المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم، توزعت على مختلف محافظات الضفة الغربية بما فيها القدس، مع تركز ملحوظ في محافظات الخليل، ورام الله والبيرة، ونابلس، وبيت لحم. وشملت هذه الاعتداءات طيفاً واسعاً من الانتهاكات، من بينها القتل والإصابة، والاقتحامات العسكرية، وفرض الحواجز والإغلاقات، والاستيلاء على الأراضي، والهدم والإخطارات، وتجريف الأراضي، واعتداءات المستعمرين، وإقامة البؤر الاستعمارية، وتقييد وصول المواطنين إلى أراضيهم ومصادر رزقهم. وتعكس هذه المعطيات تصاعداً ملحوظاً في كثافة الانتهاكات واتساع نطاقها الجغرافي، كما تكشف عن اعتماد سلطات الاحتلال نهجاً يقوم على التكامل بين القوة العسكرية والإجراءات الإدارية وأعمال المستعمرين، بما يحول الاعتداءات اليومية إلى أدوات ممنهجة لإعادة تشكيل الواقع الميداني، وفرض مزيد من القيود على الوجود الفلسطيني، وتهيئة البيئة اللازمة لتوسيع المشروع الاستيطاني وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية.
وفي السياق ذاته، نفذ المستعمرون 3,488 اعتداءً خلال الفترة المشمولة بالتقرير، أسفرت عن استشهاد 17 مواطناً فلسطينياً، وتسببت في تهجير 26 تجمعاً بدوياً ورعوياً بصورة كلية أو جزئية، إلى جانب إقامة 42 بؤرة استعمارية جديدة، معظمها بؤر رعوية، في مؤشر واضح على استمرار استخدام البؤر الاستعمارية كأداة للسيطرة على الأراضي وفرض وقائع جديدة، خاصة في الأغوار الفلسطينية والمناطق الرعوية.
كما شهدت الفترة تصعيداً واسعاً في استهداف الموارد الزراعية الفلسطينية، حيث تم توثيق تضرر أو اقتلاع 45,195 شجرة، من بينها 26,395 شجرة زيتون، في إطار سياسة تستهدف تقويض قدرة الفلسطينيين على استثمار أراضيهم ودفعهم إلى مغادرتها، ولا سيما في المناطق المحيطة بالمستعمرات والبؤر الاستعمارية.
وعلى مستوى التخطيط الاستيطاني، درست سلطات الاحتلال 113 مخططاً هيكلياً، منها 71 مخططاً في مستعمرات الضفة الغربية و42 مخططاً داخل حدود بلدية الاحتلال في القدس، تضمنت ما يزيد على 12,435 وحدة استعمارية، منها 8,434 وحدة في الضفة الغربية و4,001 وحدة في القدس، واستهدفت أكثر من 14,215 دونماً من الأراضي الفلسطينية. كما أقرت حكومة الاحتلال إنشاء 34 مستعمرة جديدة خلال النصف الأول من العام، لترتفع حصيلة المستعمرات التي أقرتها الحكومة الحالية إلى 103 مستعمرات منذ تشكيلها، وهو تطور يعكس انتقال السياسة الإسرائيلية من توسيع المستعمرات القائمة إلى إنتاج مستعمرات جديدة بالكامل. وفي إطار إحكام السيطرة على الأرض، استولت سلطات الاحتلال على 4,379 دونماً من الأراضي الفلسطينية عبر سلسلة من الأوامر العسكرية والإدارية، شملت 40 أمراً لوضع اليد لأغراض عسكرية، وخمسة أوامر استملاك، وأربعة إعلانات لأراضي دولة، إلى جانب إصدار 48 أمراً استهدفت الأشجار والمزروعات تحت ذرائع أمنية، بما يكرس استخدام الأدوات القانونية والعسكرية لإعادة تشكيل الخارطة العقارية الفلسطينية.
كما واصلت سلطات الاحتلال خلال الفترة المشمولة بالتقرير سياسة التضييق الممنهج على الوجود العمراني الفلسطيني، باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسة لإعادة تشكيل الخارطة الديموغرافية والجغرافية في الأرض الفلسطينية المحتلة. ففي مقابل توفير منظومة تخطيطية وتشريعية مرنة وسريعة لتوسيع المستعمرات وإنشاء مستعمرات جديدة وتطوير بنيتها التحتية، تواصل سلطات الاحتلال فرض نظام تخطيطي تمييزي يقيد البناء الفلسطيني ويحول دون تلبية الاحتياجات الطبيعية للتجمعات الفلسطينية، ولا سيما في المنطقة المصنفة (ج) والقدس المحتلة. وخلال النصف الأول من عام 2026، نفذت سلطات الاحتلال 341 عملية هدم أسفرت عن تدمير 740 منشأة، وألحقت الضرر بـ 923 مواطناً، بينهم 546 طفلاً، في حين أصدرت 254 إخطاراً جديداً بالهدم أو وقف البناء، في مؤشر على استمرار سياسة استهداف الوجود الفلسطيني العمراني بصورة منهجية. ولا تقتصر آثار هذه الإجراءات على تدمير المساكن والمنشآت، بل تمتد إلى تقويض الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للأسر الفلسطينية، وحرمانها من الحق في السكن والتنمية، وإجبار العديد منها على الرحيل أو الامتناع عن الاستثمار في أراضيها وممتلكاتها خشية الهدم أو المصادرة. ويؤكد ذلك أن سياسة الهدم ليست إجراءً تنظيمياً كما تدعي سلطات الاحتلال، وإنما تشكل جزءاً من منظومة أوسع لإعادة هندسة الحيز الفلسطيني، وتقليص إمكانيات توسعه العمراني، وخلق بيئة قسرية تدفع الفلسطينيين إلى الانكماش أو النزوح، بما يفسح المجال أمام التوسع الاستيطاني وترسيخ وقائع الضم على الأرض.
ويخلص التقرير إلى أن النصف الأول من عام 2026 شهد تسارعاً واضحاً في دمج الأدوات التشريعية والتخطيطية والعسكرية والاقتصادية ضمن سياسة حكومية إسرائيلية موحدة، هدفها تثبيت السيطرة الدائمة على الأرض الفلسطينية، وإعادة توزيع الجغرافيا والسكان بما يخدم مشروع الضم. ويؤكد التقرير أن استمرار هذا المسار، في ظل غياب إجراءات دولية رادعة، يهدد بصورة متزايدة فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة ومتواصلة جغرافياً، ويستدعي تحركاً دولياً عاجلاً يتجاوز بيانات الإدانة إلى اتخاذ خطوات عملية تكفل مساءلة دولة الاحتلال ووقف سياساتها الاستعمارية، وتوفير الحماية للشعب الفلسطيني وفق قواعد القانون الدولي.
